أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

214

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أنه مرفوع بالمصدر المنحل بحرف مصدري ، وفعل مبني للمفعول ، وفي بعض ما تقدم خلاف لا يليق التعرض له هنا . وأما تعليقه بالاستقرار المقدر فواضح ، ولذلك وقف أكثر القراء عليه ، وابتدأ « يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ » . وأما تعليقه ب « يَغْفِرُ » فواضح أيضا ، ولذلك وقف بعض القراء على « عَلَيْكُمُ » وابتدأ « الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ » ، وجوّز أن يكون « عَلَيْكُمُ » بيانا ك « لك » في « سقيا لك » ، فعلى هذا يتعلق بمحذوف ، ويجوز أن يكون خبرا ل « لا » محذوفا ، و « عَلَيْكُمُ » ، و « الْيَوْمَ » كلاهما متعلقان بمحذوف آخر يدل عليه « تَثْرِيبَ » ، والتقدير : لا تثريب يثرب عليكم اليوم كما قدروا في لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ، لا عاصم يعصم اليوم . قال الشيخ « 1 » : « ولو قيل به لكان قويا » . وقد يفرّق بينهما بأن هنا يلزم كثرة المجازم ، وذلك لأنك تحذف الخبر وتحذف هذا الذي تعلق به الظرف وحرف الجر ، وتنسب الفعل إليه ، لأن التثريب لا يثرب إلّا مجازا ، كقولهم : شعر شاعر ، بخلاف « لا عاصم يعصم » ، فإنّ نسبة الفعل إلى العاصم حقيقة ، فهناك حذف شيء واحد من غير مجاز ، وهنا حذف شيئين مع مجاز والتثريب : العتب والتأنيب ، وعبّر بعضهم عنه بالتّعبير من عبّرته بكذا إذا عتبته به . وفي الحديث : « إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ولا يثرّب » « 2 » . أي : لا يعير ، وأصله : من الثّرب ، وهو ما يغشى الكرش من الشحم ، ومعناه : إزالة الثّرب كما أنّ التجليد إزالة الجلد ، فإذا قلت : ثربت فلانا فكأنك لشدة عتبك له أزلت ثريه ، فضرب مثلا في تمزيق الأعراض ، وقال الراغب : ولا يعرف من لفظه إلّا قولهم : الثّرب ، وهو شحمة رقيقة ، وقوله تعالى : « يا أَهْلَ يَثْرِبَ » « 3 » يصح أن يكون أصله من هذا الباب ، والياء فيه مزيدة » . قوله : بِقَمِيصِي . يجوز أن يتعلق بما قبله ، على أن الباء معدية ، كهي في « ذهبت به » ، وأن تكون للحال ، فتتعلق بمحذوف ، أي : اذهبوا معكم قميصي ، و « هذا » نعت له أو بيان ، أو بدل ، و « بَصِيراً » حال ، و « أَجْمَعِينَ » تأكيد ، وقد أكد بها دون « كل » ويجوز أن يكون حالا . قوله : تُفَنِّدُونِ . التّفنيد : الإفساد ، يقال : فندت فلانا ، أي : أفسدت رأيه ورددته ، قال : 2856 - يا صاحبيّ دعا لومي وتفنيدي * فليس ما فات من أمر بمردود « 4 » ومنه : أفند الدّهر فلانا . قال : 2857 - دع الدّهر يفعل ما أراد ، فإنّه * إذا كلّف الإفناد بالنّاس أفندا « 5 »

--> - والطحاوي في مشكل الآثار ( 1 / 280 ) ، وأبو داود بنحوه في الوصايا باب ( 9 ) ، والسيوطي في الدر المنثور ( 2888 ) . ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 344 ) . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3 / 97 ) ، ومسلم في الحدود ( 31 ) ، والترمذي ( 1433 ) ، وابن ماجة ( 2566 ) ، وأحمد ( 6 / 65 ) ، الدارقطني ( 3 / 197 ) ، وعبد الرزاق ( 13600 ) ، وابن أبي شيبة ( 14 / 159 ) ، والشافعي ( 1501 ) ، والطبراني في الكبير ( 5 / 275 ) . ( 3 ) سورة الأحزاب آية ، ( 13 ) . ( 4 ) البيت لهانىء بن شكيم العدوي انظر تفسير الطبري ( 16 / 252 ) ، مجاز القرآن ( 1 / 318 ) ، القرطبي ( 9 / 260 ) ، البحر ( 5 / 340 ) ، روح المعاني ( 13 / 54 ) . ( 5 ) البيت لابن مقبل الطبري ( 16 / 251 ) ، القرطبي ( 9 / 261 ) ، البحر المحيط ( 5 / 340 ) ، روح المعاني ( 13 / 54 ) .